محمد بن وليد الطرطوشي
96
سراج الملوك
ثم يقول للثاني : قد كنت عندي آثر الثلاثة ، وقد نزل بي من أمر الله تعالى ما ترى ، فما عندك ؟ قال : هذا أمر الله غلبني عليك ، ولا أستطيع أن أنفّس كربك ، ولكن سأقوم عليك في مرضك ، فإذا متّ أتقنت غسلك ، وجوّدت كسوتك ، وسترت جسدك وعورتك . وقال للثالث : قد نزل بي من أمر الله ما ترى ، وكنت أهون الثلاثة عليّ ، فما عندك ؟ قال : إني قرينك وحليفك في الدنيا والآخرة ، أدخل معك قبرك حين تدخله ، وأخرج معك حين تخرج منه ، ولا أفارقك أبدا ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الأول ماله ، والثاني أهله ، والثالث عمله » « 1 » . ولما لقي ميمون بن مهران « 2 » ، الحسن البصري ، قال له : قد كنت أحبّ لقاءك فعظني ، فقرأ الحسن : أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ . ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ [ الشعراء : 205 - 207 ] ، فقال : عليك السلام أبا سعيد « 3 » ، فقد وعظت أحسن موعظة ، وا عجبا كلّ العجب للمكذّب بالنشأة الأخرى وهو يرى الأولى ! وا عجبا كلّ العجب للشّاك في قدرة الله تعالى وهو يرى خلقه ! وا عجبا كلّ العجب للمكذّب بالنشور وهو يموت في كل يوم وليلة ويحيي ! وا عجبا كلّ العجب للمصدّق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور ! وا عجبا كلّ العجب للمختال الفخور وإنّما خلق من نطفة ثم يعود جيفة ، وهو بين ذلك لا يدري ما يفعل به ! وروي أنّ الله تعالى ، أوحى إلى آدم عليه السلام ، جماع الخير كله في أربع : واحدة لي ، وواحدة لك ، وواحدة بيني وبينك ، وواحدة بينك وبين الناس . فأما التي لي : فتعبدني لا تشرك بي شيئا . وأما التي لك : فاعمل ما شئت ، فإني أجزيك به . وأما التي بيني وبينك : فعليك الدّعاء وعليّ الإجابة .
--> ( 1 ) حديث الأخلاء الثلاثة هذا ذكره المؤلف بمعناه ، وأصل الحديث صحيح : [ يتبع المؤمن بعد موته ثلاثة : أهله وماله وعمله ، فيرجع اثنان ويبقى واحد . . . ] حيث رواه المنذري في الترغيب والترهيب عن أنس بلفظ : « الأخلاء ثلاثة . . . » ( الترغيب والترهيب 2 / 41 ) . كما رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ، وقال : صحيح على شرطهما ولا علة له ( المستدرك 1 / 146 ) . ( 2 ) ميمون بن مهران : الرّقّى ، أبو أيوب ، فقيه ومن القضاة المشهورين ، كان واليا لعمر بن عبد العزيز على خراج الجزيرة ، توفي سنة 117 ه . ( الأعلام : 7 / 342 ) . ( 3 ) الحسن البصري : وكنيته أبو سعيد ، وسبقت ترجمته .